قصة التكافل الاجتماعي في الثورة السورية: الواقع والمطلوب

أرسل أحد الشباب من الداخل هذه القصة (وأستميح القارىء عذراً في تركها بلهجتها العامية ونقلها بتصرفٍ بسيطٍ جداً لربط العبارات): [من اسبوعين وأنا بالجامعة تعرضت لأحقر موقف.. وانا قاعد بعد فحص العملي بيجيني طفل مبين عمرو شي 7 أو 8 سنين..

 د.وائل مرزا

 ودار الحوار التالي: - عمو معك 5 ورقات (بالحمصي)؟ - من وين انت عمو؟ - من بابا عمرو - وين ساكن حبيبي؟ - مو ساكن حاليا بمحلّ عم نام هون بالحارة - انت وأهلك؟  - لا عمو البابا استشهد والماما من لما أخدها الجيش مابعرف وينها وبيتنا ما لقيتو (مع غصة ودمعة).. - عمو لكن وين عم تنام؟ - بعرف واحد عم يخليني نام عَباب محلَو والصبح بس يفتح بفيق عصوت الجرّار، بلعب مع رفقاتي شوي، وبس خلص اذا ما لقيت حدا يطعميني بجي عالجامعة باخد 25 ليرة وبروح باكل - طيب ليش بدك بس 5؟ - لأنو معي 20 ومارضي البياع يعطيني سندويشة ب 20. انتهى الحوار وما رضي الولد ياخد غير 5 ليرات، قال مشان ما فكروا عم يشحد..].

من المؤكد أن الثورة تُغير كثيراً من أساليب التفكير والحياة التي كانت سائدةً في سوريا، لكن من الواضح أن هذا التغيير يجري في أوساط الجيل الجديد أكثر منه بكثير في الأجيال الأكبر سناً. نحن في هذه القصّة بإزاء طفلٍ بطلٍ تختصر قصته ملحمة الثورة السورية بِحُكم رؤيةٍ شاملة للصورة، لكنه أيضاً بحكم الواقع المُحدد طفلٌ يتيمٌ مُشرّد يريد فقط أن يعيش. ولهذا يُضطر عملياً إلى أن يطلب ثمن طعامه من شخصٍ لايعرفه. رغم هذا، يبقى حريصاً جداً على أن ينحصر هذا الطلب فيما يؤمّن الحدّ الأدنى من بقائه حياً، لاأكثر ولاأقل.

ثمة معنىً كبير في الرسالة التي يُرسلها الطفل، فهو إذ يؤكد أنه لايُمارس عملية (الشحاذة)، يؤكد معها على أنه يرى هذه الممارسة بمثابة فعلٍ اضطراري يقوم به بنفسه لـ (يُصحّحُ) جملة أخطاء كان المفترض بـ (آخرين) أن يقوموا بحلّها، فلا يدفعوه للوصول إلى مرحلة الطلب.

تبدأ السلسلة من نظامٍ فاجرٍ لم يترك رذيلةً أو دناءةً إلا وارتكبها بحقّ شعبٍ كان المفترض أن نقول أنه شعبهُ، لكنه لم يعد يستحق حتى هذا الوصف ولو على صعيد الكتابة في مقال. ولئن بات السوريون يتوقعون من هذا النظام كل شيءٍ، بحيث لم يعد الحديث عن جوانب انحطاطه يُضيف جديداً، إلا أن سلسة الأخطاء، في هذه الحالة المحدّدة، تمتدُّ إلى آخرين يُفترضُ أن يتحمّلوا مسؤوليتهم بشكلٍ يليق بثورة سوريا وأهلها.

ونحن نستخدم عبارة (في هذه الحالة المُحدّدة) لأننا نعرف تماماً حجم العمل الذي يجري داخل سوريا في مجال التكافل والتضامن الاجتماعي، ونعرفُ أنه عملٌ متقدمٌ جداً ويغطي تقريباً كافة مساحة البلد جغرافياً، كما يصل تأثيره الإيجابي إلى الملايين عددياً.

لكن حجم إجرام نظامٍ يستخدم طاقات دولة لإبادة شعب يبقى أيضاً كبيراً جداً، إلى درجةٍ لاتُمكّنُ العمل المنظم في مجال التضامن الاجتماعي أن يصل إلى كل فرد، خاصةً أن هذا العمل يتمّ بسريةٍ تتطلبها ظروف الملاحقة والاختراق والترهيب التي لايعرفها إلا من يعيش داخل سوريا. وهذه قصةٌ طويلةٌ ستُروى بتفاصيلها حين يأتي أوانها.

من هنا، يُصبح مطلوباً أن تزداد دوائر ثقافة التكافل والتضامن حتى تُصبح ثقافةً شائعةً في المجتمع السوري بشكلٍ أوسع، ومن هنا يأتي الحديث عن الأخطاء التي ارتكبها آخرون في قصة الطفل البطل، وهي أقربُ لـ (الخطايا) في عُرف التكوين الثقافي الجديد الذي تخلقه الثورة وتفرضهُ مقاييسُها.

إذ لم يعد يجوز مثلاً لصاحب المحلّ الذي ينام الطفل على بابه أن يكون هذا (مُنتهى) عطائه! ويقتربُ إلى حدّ الجريمة فعلُ البائع الذي رفض بيع (السندويشة) للطفل مقابل 20 ليرة؟ أما أولئك الذين أعطوا الطفل مايطلبه في الأيام السابقة لحوار صديقنا، فإنهم يحتاجون لجرعةٍ أكبر من الوعي الذي يدفع للمبادرة والفعل البشري المطلوب في مثل هذه المواقف. ويبدو غريباً أن أحداً منهم لم ينتبه من طبيعة الحدث إلى ضرورة العمل بأي طريقة لإدخال الطفل في إطار إحدى شبكات التكافل الاجتماعي التي خلقتها الثورة. فالقائمون على هذه الشبكات يحاولون الوصول إلى تغطية أكبر مايمكن من المساحات والأعداد، لكن شروط عملهم الصعبة والمعروفة لاتمكّنهم من الإحاطة الكاملة، وهو مايوجبُ على أبناء الشعب أن يكونوا في غاية اليقظة للحالات التي يجب إدماجها في تلك الشبكات، سيّما وأن الوصول إلى إحداها ممكنٌ بشيءٍ من التواصل المدروس الذي بات الكثيرون يعرفون قوانينه وقنواته.

سنُرجّح في هذا المقال حُسن الظنّ بمن لايزالون يرتكبون الأخطاء، لكن هذا لايمنع من التذكير بالثمن الذي سيدفعه من يرتكبون (الخطايا) و(الجرائم) في هذا المجال. ويدخل في هذا الإطار تحديداً كل من يحاول أن يغتني من ظروف الثورة وآلامها وتضحيات أبنائها، وإذا ما أصرّ هؤلاء على أفعالهم فإنهم سيكونون بمثابة كتائب من (المرتزقة) التي تحارب الثورة، وستكون أفعالهم وجهاً آخر لأفعال وحوش النظام وجزاريه في المجالات العسكرية والأمنية.

ليس هذا تهديداً، فنحن نؤمن أن الله في عليائه سيسحب البركة من أموال هؤلاء، وسيمحقُ أعمالهم، وسيُنزل عليهم، آجلاً أم عاجلاً، لعنةً تلاحقهم في كل شؤون حياتهم.

هذا حسابُ السماء، أما حسابُ أهل الأرض فسيكون مدروساً ومتوازناً من جميع الزوايا، لكنه سيكون حساباً في نهاية المطاف.

{فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}. هكذا ربط الخالقُ العبادةَ بأمرين: أن يجد الناس ما يكفيهم من طعام، وأن يكون لديهم إحساسٌ بالأمان وعدم الخوف.

حريٌ إذاً بالبشر أن يأخذوا هذه القاعدة بعين الاعتبار، خاصةً في إطار العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

__________________________________________

 صحيفة العرب القطرية، 2012-07-01