الليرة السورية وسياسات النظام المتخبطة

تقرير خاص بالمنتدى السوري للأعمال
تاريخ الإعداد 23 أيلول/سبتمبر 2012

موجز التقرير
لا يمكن توقع حدود التدهور للعملة السورية أو تقديره بسبب لجوء النظام السوري إلى الاقتراض الداخلي عبر الاستدانة من البنوك المحلية المودعة لدى المصرف المركزي، بالإضافة لطباعة المزيد من العملة دون غطاء أو حدود. ولم تجدِ طمأنة المدير العام للمصرف التجاري السوري للمواطن نفعاً بأن "ليرته" بخير على ضوء استعارة السوق السوداء ومناطحة الليرة للسماء.

 ويعزو الاقتصاديون الهبوط المتسارع لليرة إلى الآلة العسكرية التي استنزفت الاحتياطي النقدي وأدت إلى تراجع إيرادات خزينة الشعب السوري بفقد صادرات النفط، التي تعثرت بسبب العقوبات، إضافة إلى تراجع إيرادات السياحة إلى الصفر بحسب تقارير المنتدى السوري للأعمال، بالتزامن مع عدم رغبة الحكومة في فرض إجراءات مرفوضة شعبياً لمواجهة العجز، مثل خفض الدعم وزيادة الضرائب، فضلاً عن هجرة الأموال خارج سوريا ووقف الاستثمارات.

ولفت مراقبون إلى أن الخوف من تدهور الليرة يأتي في سياق الوضع الأمني الهش في سوريا بشكل عام وفي العاصمة دمشق بشكل خاص، وهو ما يخلق تأثيراً سلبياً يقود لتآكل قدرة النظام المالية، بما لا يجدي معه التصدير أو التجارة أو حتى الدعم من إيران أو العراق، وتبقى قدرته على الدفاع عن سعر صرف الليرة محدودة. إن هناك توقعات بحدوث مزيد من الانهيار لليرة السورية عقب انخفاض قيمتها بنسبة فاقت 104 % منذ بدء الثورة، لا سيما في الأسابيع الماضية، أمام عجز الارتفاع في وجه الدولار المنخفض عالمياً، وارتفاع اليورو إلى أرقام قياسية فضلاً عن السياسات المتخبطة وغير المدروسة للنظام في التعامل مع المشكلة.

وذكر خبراء اقتصاديون -فضلوا عدم ذكر أسمائهم- أن تدهوراً وشيكاً للعملة السورية يلوح بالأفق، ولن يكون النظام قادراً على الحد منه كما فعل من قبل بعد معالجته سعر صرف العملة عبر الاقتراض الداخلي من البنوك المحلية المودعة لدى المصرف المركزي، بالإضافة إلى طباعة المزيد من العملة، وهو ما يعرف ب العلاج بالتضخم.

ولفت المراقبون أيضاً إلى تأثير الوضع الأمني الهش في سوريا بشكل عام وفي دمشق بشكل خاص على حال الليرة، مما أثر سلبياً على تآكل قدرة النظام المالية، بما لا يجدي معه التصدير أو التجارة أو حتى الدعم من إيران أو العراق، وأبقى قدرته على الدفاع عن سعر صرف الليرة محدودة. ولم تجدِ نفعاً كلمات المدير العام للمصرف التجاري السوري أحمد دياب المواطن السوري بأن "ليرته" بخير على ضوء استعارة السوق السوداء ومناطحة الليرة للسماء.

البطيخة الصيفي تلهب المواطن

ونفى مدير المصرف التجاري وفقاً لوكالة الأنباء "سانا" كل تحليلات خبراء المال عن انهيار محتمل لليرة السورية، وكلُ ما على المواطن أن يضع "بطيخة صيفي" في بطنه، وأن يضع رجليه في "ميّه" باردة فكل من يرغب بمعرفة واقع السيولة لدى المصرف، فإنه يحتفظ باحتياطي كبير من القطاع الأجنبي، كما يحتفظ بسيولة ممتازة وفق أفضل المعايير العالمية وأن وضع الليرة أكثر من ممتاز." ويشبه محللون ما يجري لليرة السورية ما حدث للدينار العراقي الذي بدأ بالانخفاض تدريجياً من 10% إلى 30% ثم 100% بإزاحة نظام صدام حسين، وكيف وصل التدهور إلى مستويات حادة، لكن النظام اليوم يلجأ للتمويل عن طريق طبع كميات كبيرة من النقود كما فعل في روسيا في حزيران الماضي مما أسهم في مزيد من التدهور.

قدرة الدفاع عن العملة محدودة

وتأثرت الليرة السورية بتدهور الاقتصاد السوري مع بداية الثورة السورية منذ 15 آذار العام الماضي، والتي أسفرت عن سقوط ما يزيد عن 30 ألف شهيد، إضافة إلى جملة من العقوبات الاقتصادية غربية وعربية طالت عدداً من الشخصيات الاقتصادية والسياسية والكيانات الاقتصادية، وفقدت الليرة السورية نحو 51% من قيمتها.

عقوبات الجامعة ليست جامعة

أما بالنسبة لعقوبات جامعة الدول العربية الاقتصادية على سوريا التي أعلنتها في 27 تشرين الثاني 2011، فقد كان دورها محدوداً على الاقتصاد السوري لعدم تطبيقها من قبل جميع البلدان، وعلى وجه الخصوص العراق ولبنان. وحسب المكتب المركزي للإحصاء فإن حجم التبادل التجاري مع الدول العربية بلغ في عام 2011 نسبة تقارب 50% من الصادرات مقابل 17% من الواردات. وتصدر سوريا منتجاتها بالدرجة الأولى للعراق بنسبة 31.4%، وللبنان بنسبة 12.7%.، وتشمل العقوبات الاقتصادية العربية تجميد التبادلات التجارية مع الحكومة السورية، وتجميد أرصدتها المصرفية في البلدان العربية.

الليرة السوداء

وتبلغ قيمة الليرة السورية في السوق السوداء 74 ليرة مقابل الدولار بسعر مستقر عند 46 ليرة للدولار منذ عام 2006 وحتى آذار 2011، ثم تراوح صرفها في تموز بين 58 و60 ليرة، قبل الهبوط خلال الأسبوعين الماضيين، ليصل إلى أدنى مستوى له على الإطلاق. وتراجعت الليرة السورية بنحو 104% مقابل الدولار منذ بداية الثورة، قبل أن تعود إلى مستوى 69 ليرة للدولار خلال الفترة الماضية لتنفجر إلى 73 ليرة في الأسبوع الماضي حسب وسطاء السوق السوداء. وبات استمرار النظام في الدفاع عن الليرة أمراً صعباً، مع تزايد توتر الأوضاع الأمنية ودخول العملة دائرة التدهور الذي قد لا يكون له حدود. ويقول المحلل المالي عماد .ح بأن "سعر الدولار سيفلت هذه المرة وسيصل إلى قيمته الحقيقية، وهي حوالي المائة، لأن الحكومة أعلنت أنها ستقترض، وأصبحت بحاجة للدولار وهذا اعتراف رسمي سينعكس على الأسواق بشكل طبيعي."

تحدي البنك المركزي

بلغت ميزانية سوريا لعام 2012 27 مليار دولار، وهي الأكبر في تاريخها، بغاية زيادة الإنفاق لخلق مزيد من الوظائف في القطاع العام، والإبقاء على الدعم لتفادي اتساع نطاق حالة الاستياء". وتحدثت تقارير عن أن القطاع الخاص اضطر للاستغناء عن عدد كبير من موظفيه، ولكن العاملين في القطاع العام احتفظوا بوظائفهم ولم تتأثر أجورهم بالرغم من إلغاء تعويضات، مثل الحوافز وطبيعة العمل وبدل النقل وغيرها تحت مسمى "تخفيض النفقات". ويقول أحد المصرفيين أن "البنك المركزي تجاوز الحد الأقصى للاقتراض من البنوك العامة، وتحجم البنوك الخاصة عن شراء السندات الحكومية". وتجاوزت نسبة التضخم بالفعل 30% إلا أن البنك المركزي يقول إنه يمكن السيطرة عليها، في وقت أنفقت السلطات أموال الدولة على الدعم لتبقي أسعار خدمات المرافق للمنازل والبنزين دون تغيير، وأعلنت عن فرض قيود على أسعار السلع الأساسية. ولكن أسعار الكهرباء للصناعات الكبرى ارتفعت بنسبة 60%، وزاد أيضاً سعر وقود المازوت المدعوم.

الليرة والقيمة الشرائية

وينعكس انخفاض الليرة على القيمة الشرائية بالنسبة للسوريين، ورغم نجاح النظام بالتحكم في التضخم إلا أن الحكومة لم تنشر بعد النتائج الاقتصادية لعام 2011 بما يتعلق بالناتج المحلي الإجمالي. واعتبر سامر .م مدير أحد المصارف الخاصة أن هبوط سعر صرف الليرة من شأنه في المقابل أن يؤمّن فرصاً للصناعة المحلية لزيادة صادراتها، التي صارت منخفضة الثمن في ظل تراجع العملة الوطنية. ولتدارك هروب العملة الصعبة عمد المصرف المركزي السوري إلى السماح -للمرة الأولى- بفتح حسابات توفير بالدولار واليورو شرط تجميد الرصيد لمدة ستة أشهر. كما رفع المصرف مستوى الفائدة للحسابات المودعة بالليرة السورية إلى 11%، بينما كانت ما بين 5 و7% حسب فترة الإيداع.

"الخمسمية" الجديدة انتحار وأولويتها دفع الرواتب

ونقلت وكالة الأنباء البريطانية "رويترز" في حزيران الماضي عن مصرفيين في دمشق قولهم أن "سوريا طرحت نقوداً جديدة للتداول لتمويل العجز المالي، ما يجعلها عرضة لارتفاع التضخم بعدما بددت أعمال العنف والعقوبات إيرادات البلاد، وأدت لانكماش اقتصادي شديد". وبدأ تداولها في دمشق وحلب‎. وقال الخبراء المصرفيون أن طبع النقود كوسيلة لالتقاط الأنفاس على المدى القصير قد يكون "انتحاراً اقتصادياً."

وبين مصرفيون موالون للنظام أن أولوية الليرة هي الاستمرار في دفع الرواتب لأكثر من مليوني موظف في الدولة، وهم جزء من القوة العاملة في البلاد التي قوامها 4.5 مليون من السكان البالغ تعدادهم 21 مليون نسمة". وقال أحد المصرفيين: "لا يمكن السماح بانهيار القطاع العام، وبعدم صرف أجور العاملين فلن يكون هناك شكوى إذا حصلوا على أجورهم في نهاية كل شهر. ولكن إذا وصلنا لمرحلة لا يحصلون فيها على أجورهم ستكون هناك أزمة". ويقوم المصرف التجاري السوري شهرياً بتحويل 7.268 مليار ليرة سورية كقيم رواتب ومعاشات للموظفين عبر الصرافات الآلية بواقع 433.799 راتباً لموظفي القطاعين العام والخاص. وكان وزير المالية محمد الجليلاتي صرح قبل ذلك أن سوريا بحثت طبع العملات الورقية الجديدة مع المسؤولين الروس خلال محادثات اقتصادية في نهاية آيار في موسكو. وقال إن الاتفاق اكتمل تقريباً دون الإفصاح عن تفاصيل. ولكن عاد البنك المركزي في وقت لاحق لينفي من خلال وسائل الإعلام الرسمية تداول عملات ورقية جديدة.

وقامت الشركة الحكومية الروسية "جوزناك" بطباعة النقود السورية، التي تشغل مطبعة النقود الروسية، وتعد روسيا من أهم حلفاء السلطات السورية اقتصادياً وسياسياً، إضافة إلى أنه ليس في العقوبات المفروضة على سوريا ما يمنع شركة روسية من طباعة أوراق نقدية لسوريا. وكانت العملة السورية تُطبع قبل ذلك في النمسا في شركة تابعة للبنك المركزي النمساوي قبل توقف الطباعة العام الماضي بسبب عقوبات الاتحاد الأوروبي على النظام السوري.

تضارب أسعار العملات بين المركزي وشركات الصرافة

وفي سياق متصل حقق اليورو رقماً قياسياً جديداً أمام الليرة في نشرة "مصرف سوريا المركزي" الرسمية مسجلاً 88.33 ليرة مع بداية الأسبوع الحالي من 86.66 ليرة، في الوقت الذي بقي فيه الذهب يرتفع عالمياً، وكذلك محلياً بسبب تراجع الدولار الأميركي. ولم تستفد الليرة السورية وفقاً لموقع "الاقتصادي" من تراجع الدولار عالمياً الذي بقي يرتفع أمامها في النشرة الرسمية، وفي السوق السوداء؛ حيث بلغ سعر الدولار في آخر نشرة أسعار رسمية صدرت أمس 67.25 ليرة مبيع. كما سجلت وحدة حقوق السحب الخاصة رقماً قياسياً أمام الليرة. وفي نشرات المصارف الخاصة بلغ سعر الدولار 68.30 ليرة مبيع، و67.62 ليرة شراء. واللافت أن سعر مبيع الدولار في المصارف كلها أصبح واحداً على خلاف العملات الأخرى، أي لم يعد هناك تباين في أسعار الدولار بين مصرف وآخر، وهذا ما لم يكن موجوداً من قبل. وارتفع الذهب أيضاً مستفيداً من تراجع الدولار عالمياً، وبلغ 3525 ليرة للغرام عيار 21 قيراط. إلا أن الليرة السورية لم تستفد من تراجع الدولار حيث بقي يرتفع أمامها في السوقين الرسمية والسوداء.