سياحة ريف دمشق تئن تحت المنطقة الرمادية وتتخوف من موسم الثلج

التقرير الاقتصادي الثالث للمنتدى السوري للأعمال
تاريخ الإعداد: 10 أيلول/سبتمبر 2012

يتناول التقرير الواقع السياحي السوري في ريف دمشق منذ آذار 2011 والدور الحكومي المتعثر لدعم السياحة واستثماراتها، بالإضافة إلى تقييم واقع السياحة الداخلية ودورها في التنمية الاقتصادية.

  • المقاصد السياحية ذات الفصل السياحي الواحد المتضرر الأكبر.
  • دخل الاقتصاد السوري في "المنطقة الرمادية" داخل مرحلة الانكماش.
  • الفساد وعمليات التهريب والسوق السوداء زادت في معاناة المنشآت السياحية

برد بلودان
بدا فندق بلودان الكبير صغيراً أمام الأعداد الهائلة للنازحين إلى المصيف السياحي المتاخم للحدود اللبنانية، الذين فتحوا أبواب الشقق والفلل السياحية دون دفع أي ضريبة لوزارة السياحة.

 

صابرين بنت الزبداني (22 سنة - طالبة جامعية) تسكن في بلودان مع إخوتها في بيتٍ صيفي جميل مع عدة عائلات، "لكن الصيف انتهى" تقول الفتاة النحيلة ونحن في مواجهة برد بلودان القارس.

تعلم صابرين أن أثرياء دمشق ممن يستجم بعضهم في بلودان وفنادقه، سيرحلون إلى وجهة أكثر دفئاً في بيروت أو القاهرة أو دبي، بينما يصعب على النازحين العودة إلى قراهم القريبة لا سيما أهالي سهل الزبداني بقراه العديدة.

الموسم السياحي الخاسر في الريف الدمشقي بدءاً من سهل الزبداني وبلودان ومعلولا وجبال القلمون وصيدنايا ونهر بردى بسبب الأحداث الدامية التي خلفها قمع النظام في سوريا، جعل من الفنادق والمطاعم والمقاصد السياحية ذات الفصل السياحي الواحد المتضرر الأكبر، فهي تختلف عن مثيلاتها داخل دمشق التي شهدت استقطاباً سياحياً على مدار العام قبل بدء 15 آذار 2011، ولهذا يجمع كل القائمين على أن كل توصيات التقرير السنوي لغرفة سياحة ريف دمشق ومتطلبات المستثمرين مؤجلة كإجراءات منح التراخيص اللازمة والقروض للمشاريع الجديدة بفوائد قليلة، إضافة إلى الارتقاء بالخدمات التحتية في المنطقة بشكل عام وتوسيع مدخل منطقة الزبداني.

العصب الرئيسي لمصايف الريف
وشكل التراجع الكبير في أعداد السياح العرب -العصب الرئيسي لمصايف الريف- أثراً كبيراً على شلل تلك المنشآت، فقد تجاوز التراجع في عدد السياح العرب التراجع في عدد السياح الأجانب مقارنة بالربع الأول من العام الماضي، وفقاً للنشرة التنموية الاقتصادية التي أصدرتها مديرية دعم القرار في رئاسة مجلس الوزراء آخر شهر آب الماضي؛ حيث تراجع عدد السياح العرب من 752 ألف سائح في الربع الأول من عام 2011 إلى 142 ألف سائح في العام الحالي، أي بنسبة تراجع وصلت إلى 81.1%، في حين تراجع عدد السياح الأجانب من 536 ألف سائح إلى 128 ألف سائح، أي بنسبة تراجع بلغت 76.1%.

وتقول دراسة اقتصادية قام بها الباحث د. شعبان عبدالله شوباصي إن الإحصائيات الواردة تجعل من الأولويات الكبرى إيلاء الدعم الكافي لتطوير وتنشيط القطاع السياحي في سوريا، القائم على محورين أساسيين؛ هما الطلب السياحي من قبل السياح والزوار، والاستثمار السياحي بما يتضمنه من مشاريع.

السياحة السورية وتحدياتها
وفقاً للمعلومات الواردة في نشرة الحكومة السورية الاقتصادية، فإن الثورة السورية ألقت بظلالها على كافة القطاعات الخدمية، وبالتحديد على قطاعي السياحة والنقل؛ حيث سجلت معظم مؤشرات قطاع السياحة تراجعاً كبيراً خلال الربع الأول من عام 2012، حيث بلغت نسبة التراجع في عدد السياح القادمين إلى سوريا في الفترة المذكورة حوالي 76.4% مقارنة بالربع المماثل من عام 2011، وفقاً لصحيفة تشرين السورية.

يقول شوباصي: تتجلّى أهمية قطاع السياحة بالنسبة لسوريا في كونه قطاعاً واعداً يعوَّل على مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني ومساعدته على تجاوز التحديات الراهنة التي تواجهه، وإذا ما تمّت الاستفادة من هذا القطاع الواعد بالشكل الصحيح، فإنه سيكون قادراً على لعب دور محرّك النمو في القطاع الخدمي للاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد النفط، وهذه الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لقطاع السياحة في سوريا تؤكدها منظمات اقتصادية دولية رسمية.

مدير سياحة ريف دمشق طارق كريشاتي يرى أن ما يعوق السياحة هو النقص في البنية التحتية لها، أي أن هناك نقصاً كبيراً في الأسرة بمحافظة ريف دمشق، وسبب هذا النقص يكمُن في التعقيدات والصعوبات التي تواجه المستثمرين في هذه المحافظة، لذلك "نحن بحاجة إلى الاستثمار السياحي، فالسبب الرئيس الذي يؤثر في هذا الاستثمار هو هيئة التخطيط الإقليمي التي أوقفت الاستثمار في ريف دمشق مدة لا تقل عن أربع سنوات".

خارطة سياحية على أسس اقتصادية
وبالنسبة للنزلاء في الفنادق فقد تراجعت نسبتهم بحوالي 76.6% مقارنة بالربع الأول من العام الماضي، حيث جاءت نسبة تراجع النزلاء من العرب في المرتبة الأولى مقارنة مع العام الماضي والمسجلة بنسبة 81.2%، في حين بلغت نسبة تراجع النزلاء الأجانب 74.5%.

ويؤكد الباحث الاقتصادي على وجود خارطة جديدة للاستثمار السياحي في سوريا، مبنية على أسس اقتصادية قادرة على جذب الاستثمارات السياحية لجميع مناطق العرض السياحي المنتشرة على امتداد المحافظات السورية. فالسياحة صناعة تنافُسيّة بامتياز حيث يَسعى كلُّ بلدٍ إلى تطويرها واستحواذ الحِصَّة الأكبر من الطَّلب السّياحيِّ في السّوق الدولية عبرَ توفير جميع مقوّمات نجاحها.

أما فيما يتعلق بالعائدات السياحية قد تراجعت من 52 مليار ليرة في الربع الأول من عام 2011 إلى 12.8 مليار ليرة في الربع الأول من العام 2012 بنسبة وصلت إلى 75.4%، الأمر الذي كان له تداعيات على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وتجلى ذلك واضحاً بإغلاق العديد من المنشآت السياحية الصغيرة، وفي تراجع أداء المنشآت الفندقية والمطاعم، والتي تراجع عدد العاملين فيها من حوالي 62447 عاملاً عام 2010 إلى حوالي 22710 عمال في عام 2011، أي بنسبة تراجع بلغت حوالي 63.3%، فوفقاً لمدير عام مؤسسة التأمينات الاجتماعية في سوريا خلف العبد الله، تجاوز عدد العاملين المسرحين مئة ألف عامل حسب قيود المؤسسة، يتوزع العدد الأكبر منهم بين ريف دمشق وحلب وحمص.

تراجع المشاريع الاستثمارية
وتظهر البيانات الحكومية - رغم محاولتها تجميل الواقع - انخفاضاً في عدد المشاريع الاستثمارية خلال الربع الأول من عام 2012 إلى 15 مشروعاً، مقارنة بـ 30 مشروعاً خلال الربع الرابع من عام 2011، كما تراجع عدد المشاريع المنفذة وقيد التنفيذ من 7 مشروعات إلى مشروع واحد خلال الفترة نفسها وبنسبة تراجع بلغت نحو 85.7%، في حين بقي عدد المشاريع الأجنبية المنفذة وقيد التنفيذ خلال الربعين الرابع والأول من دون تغيير بمعدل مشروع واحد لكل منهما. يذكر أن المشاريع المحجوزة التي بلغت قيمتها مليارين و130 مليون ليرة توزعت على أربع محافظات، ففي دمشق تم حجز أربعة مواقع، وفي ريف دمشق تم حجز موقع جزء من بحيرة زرزر، وفي اللاذقية موقع برج إسلام، وفي الحسكة موقع سد الحرمون.

ويقول كريشاتي -وفقاً لصحيفة تابعة للنظام - إنه تم طرح 3 قطاعات لاستثمارها بطريقة الـ "بي أو تي" في بحيرة زرزر، حيث تم تخصيص نحو 25 دونماً للسياحة الشعبية تستوعب 10مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر، مضيفاً أنه سيتم التنسيق والتعاون بين محافظة ريف دمشق ووزارة الأوقاف، فيما يخص مقام النبي هابيل الذي يستقبل يومياً نحو 2000 زائر من عدة دول، وذلك بهدف الارتقاء بالخدمات المقدمة.

وأوضح كريشاتي أنه بالنسبة لمشروع فندق رامادا الذي تبلغ نسبة الإنجاز فيه نحو 95% وكلفته 7 مليارات ليرة يتكون من 163 غرفة، و200 سرير و1270 كرسياً، كما سيوفر نحو 500 فرصة عمل، إضافة إلى أن مشروع الماسة الزرقاء والبالغة كلفته ملياري ونصف المليار ليرة يشمل منشآت مطاعم وملاعب ومسابح وأربع وحدات سكنية تهدف لاستقطاب العائلات، كما يشمل المشروع إقامة تل فريك بمسار يبلغ نحو 650 متراً، حيث يؤمن المشروع نحو 2000 فرصة عمل.

خسائر الخزينة السورية
وتأتي المشكلة الرئيسية للاقتصاد السوري وفقاً لتقرير نشره "المنتدى السوري للأعمال" سابقاً من قطاع السياحة المنهار، الذي يشكل رافداً رئيسياً من إيرادات الدولة، والقطاع النفطي الذي تأثر من فرض العقوبات الأوروبية والأميركية من جهة، واحتياج النظام لمزيد من الإنفاق على المؤسسات العسكرية لمواجهة الثورة الشعبية التي تعم أغلب المدن في سوريا من جهة أخرى وفقاً للخبير الاقتصادي عبدالله الدوسري.

وتتجاوز خسائر الخزينة السورية من القطاع السياحي السوري 15 مليار دولار خلال عامي 2011 و2012، بعد أرقام للسياح تجاوزت ثمانية ونصف مليون سائح 2010 بمعدل إنفاق تجاوز المليار دولار، وعائدات 7.7 مليار دولار، بينما معدل الإنفاق الحالي وصل 90 مليون دولار فقط. بعد انعدام القدوم الأوربي الذي يعتبر السوق الرئيسية للسياحة السورية، ما دفع عدد من المراقبين لتأكيد دخول الاقتصاد السوري في "المنطقة الرمادية" داخل مرحلة الانكماش، في وقت يحذرون فيه من "عواقب" التراجع الحاد للسياحة في البلاد، التي تشكل تقريباً 23% من إجمالي إيرادات الحكومة السورية من النقد الأجنبي وفقاً للدوسري.

"رجع أيلول" وسعر المازوت لم يرجع
ويسعى المعنيون في غرف سياحة دمشق وريفها وأصحاب المنشآت السياحية إلى إيجاد آلية لتوزيع المازوت بالسعر النظامي، وتذليل الصعوبات التي تعترض وصوله إلى المنشآت السياحية بدمشق وريفها استعداداً لموسم الشتاء.

وتعتمد المرافق السياحية على قوائم مقدمة من غرفة السياحة وأصحاب المنشآت السياحية إلى شركة المحروقات السورية "سادكوب"، للحصول على مادة المازوت، غير أن الفساد وعمليات التهريب والسوق السوداء تزيد في معاناة هذه المنشآت ما يدفعها إلى شراء المازوت أحيناً بأسعار مرتفعة جداً.

وهددت شركة المحروقات -التي تقوم بتزويد العديد من المنشآت مثل المدارس والجهات الحكومية والهيئات الدبلوماسية القطاع الخاص الذي يزود المنشآت السياحية بمادة المازوت- بفرض عقوبات بحق المخالفين، وسحب الكميات المخصصة لهم وتوزيعها عن طريق محروقات دمشق.

قوة الأسعار وضعف النفوس
وتواجه سياحة النازحين صعوبات كثيرة في الريف الدمشقي، أهمها تجار النزوح الذين يزيدون الأسعار يوماً بعد يوم ما أثَّر سلباً على الحركة السياحية، كارتفاع الأسعار وقلة الخدمات. وشهد قطاع المطاعم تراجعاً أيضاً على امتداد طريق الربوة والهامة والزبداني وبلودان وطريق المطار، بسبب ارتفاع الأسعار بشكل جنوني يعزوه دوماً أصحاب المطاعم إلى ارتفاع أسعار الخضراوات التي لا يصل بعضها إلى دمشق "إلا بشق الأنفس" ما رفع سعر الفاتورة، فضلاً عن الضرائب المتزايدة.

النازحون يرفدون الاقتصاد على مدار ثمانية عشر شهراً، فسياحتهم لم تعد موسمية، وإنما على مدار العام على خلاف السياحة الوافدة والتي تعد موسمية، بل هم الآن يروجون للسياحة الشتوية، على الرغم أن معظم العائلات في الشتاء لديها التزامات تجاه أولادها ممن هم في المدارس والجامعات، لكن صابرين على ما يبدو ستحتاج إلى مزلاجين مع آلاف النازحين إذا ما استمرت حال النزوح القسري في بلودان مع اقتراب موسم الثلج.