سياحة النزوح تنعش فنادق دمشق على وقع تزوير الإحصائيات

خاص بالمنتدى السوري للأعمال
تاريخ الإعداد 26 آب/أغسطس 2012

فاقت موجة النزوح الأولى الـ300 ألف حمصي حسب تقارير غير رسمية، نزلوا ضيوفاً على طول طريق (حمص- دمشق) بدءاً من قارة والنبك ودير عطية إلى أطراف العاصمة في السيدة زينب ووصولاً إلى فنادق دمشق وشققها المفروشة، التي كان لها نصيبٌ كبير من الطبقة الحمصية الثرية والميسورة، تلت ذلك موجات نزوح من كل المحافظات إلى دمشق، كان آخرها من حي دمشقي إلى آخر دمشق ومن الريف إلى العاصمة، بعد استهداف أحياء كالميدان وجوبر وداريا والقدم ومخيم اليرموك. وفي كل نزوح كان يصنف النازحون حسب قدرتهم المادية، فيبدؤون بالحدائق وينتهون بالفنادق.

تؤشر غرف الفندق الفارغة لموسم سياحي سيئ، ليس في هذا الفندق فقط وإنما بأغلب فنادق دمشق، تقول فاطمة عبد العزيز -24 سنة- موظفة الاستقبال. وتضيف: "مرت ليالٍ عديدة كنت أشعر بالوحشة في هذا البيت الدمشقي الكبير" إلى مطلع شباط الماضي، مع أولى موجات النزوح السوري، التي بدأتها محافظة حمص جراء الحملة العسكرية الشرسة، حيث امتلأت غرف الفندق بعائلات محملة بالأكياس والحقائب، من أحياء المحطة والإنشاءات ووادي السايح وبابا عمرو. وأصبح بالإمكان رؤية السيارات بلوحات حمصية وغيرها متوقفة في الكثير من شوارع دمشق.

الزبون النازح

لم يُعامل النزلاء في الفنادق الدمشقية كنازحين وإنما كزبائن، كانت ذريعة المستثمرين تغطية تردي معدل الجذب السياحي إلى سوريا. يقول إلياس جورج أحد المستثمرين في القطاع الفندقي: "عوَّض النازحون من حمص ومناطق الاشتباكات الخسائر التي تكبدتها الفنادق إلى حد ما، على الأقل فيما يتعلق بالنفقات الأساسية بعد أن قررت بعض الفنادق الإغلاق تجنباً لأي خسائر إضافية أو تحويلها إلى مطاعم.

وطول فترة الإقامة المتوقعة، دفع العائلات إلى التفاوض على الأسعار، والتي انتهى بعضها بما يشبه الإيجار الشهري داخل الفندق، بينما استأجرت عائلات أخرى شققاً مفروشة أو سافرت خارج القطر، بعد أن أصبحت العودة إلى بيوتهم ومدنهم رهينة الوضع الأمني، لا سيما أن القسم الأكبر منهم تضررت منازلهم بشكلٍ متفاوت.

المحامي همام مخول وعائلته من وادي السائح الحمصي، كانوا أحد المقيمين في أحد فنادق دمشق، يؤكد أن كل النازحين من نزلاء الفنادق ليسوا أغنياء أو ميسورين، فنسبة كبيرة منهم نزلاء فنادق ذات نجمتين أو ثلاث باعوا ذهب نسائهم لتأمين مكان آمن، أو أخذوا بالصرف من ودائعهم البسيطة.

حاول مخول البحث عن شقة مفروشة ولكن الأسعار سياحية أيضاً داخل دمشق القديمة الأكثر هدوءاً وأمناً، وتتراوح بين 400 إلى 1000 دولار، فقرر العودة إلى بيت أهله في ريف حمص بعد مكوثه فترة بأحد الفنادق.

يلاحظ أيضاً أن التخفيضات التي طرأت على أسعار فنادق دمشق فرضها فقر الحال الفندقي في ضوء انعدام السياحة الخارجية، وأصبح بإمكان السائح (النازح) الحصول على غرفة في فندق خمس نجوم كان يتقاضى 180 دولاراً لليلة بـ 30 دولاراً في حال كان الإيجار شهرياً والدفع مقدماً طبعاً خارج دمشق القديمة.

إحدى سيدات الأعمال الحمصيات تقيم في فندق معروف بدمشق القديمة من ستة أشهر تقول إنها اعتادت الفندق ولا تفضل السكن في أي شقة فاخرة، وأن أجواء القتل والدمار دفعت البعض إلى التنعم بالحياة وملذاتها، لا سيما داخل دمشق القديمة التي لم تطلها الأحداث بعد.

انعدام دولار السياحة يسقط الاقتصاد

تأتي المشكلة الرئيسية للاقتصاد السوري من قطاع السياحة المنهار، الذي يشكل رافداً رئيساً من إيرادات الدولة، والقطاع النفطي الذي تأثر من فرض العقوبات الأوروبية والأميركية من جهة، واحتياج النظام مزيداً من الإنفاق على المؤسسات العسكرية لمواجهة الثورة الشعبية التي تعم أغلب المدن في سوريا من جهة أخرى وفقاً للخبير الاقتصادي عبد الله الدوسري.

وتجاوزت خسائر الخزينة السورية من القطاع السياحي السوري 15 مليار دولار خلال عامي 2011 و2012، بعد وفود سياحية تجاوزت الـ8.5 مليون سائح 2010 بمعدل إنفاق تجاوز المليار دولار وعائدات 7.7 مليار دولار، بينما وصل معدل الإنفاق الحالي 90 مليون دولار فقط. وبعد انعدام القدوم الأوروبي الذي يعتبر السوق الرئيسية للسياحة السورية، أكد عدد من المراقبين دخول الاقتصاد السوري في "المنطقة الرمادية" داخل مرحلة الانكماش، في وقت حذروا فيه من "عواقب" التراجع الحاد للسياحة في البلاد، التي تشكل تقريباً 23% من إجمالي إيرادات الحكومة السورية من النقد الأجنبي وفقاً للدوسري.

تزوير الإحصائيات

ومنذ بداية 2012 وحتى الآن -وفقاً لإحصائيات وزراة السياحة السورية- بلغ عدد السياح 350 ألف سائح إلى سوريا بتراجع نسبته 71% عن 2011، منهم 33215 سائحاً من دول آسيا و49817 سائحاً من إيران و15013 سائحاً من أوروبا و3468 سائحاً من دول أميركا و203299 سائحاً من دول الجوار، كما بلغ مجموع الليالي الفندقية 474536 ليلة منهم من دول آسيا 82474 ليلة، ومن إيران 162376 ليلة ومن دول أميركا 6420 ومن أوروبا 28939.‏ غير أن أحد الخبراء الاقتصاديين، رفض الكشف عن اسمه، كذَّب إحصائيات وزارة السياحة وقال إنها مبالغ فيها، "فالنزلاء الحقيقيون هم السوريون أنفسهم. ويسأل: أين هم السياح لا نرى أحداً منهم".

أقل نسب التراجع للسياح العراقيين والإيرانيين

ويبدو من نسب وزارة السياحة أن مواطني دول الخليج العربي كانوا الأكثر عزوفاً عن زيارة سوريا بنسبة تصل إلى 0% عام 2012، وفي ذلك خسارة كبيرة للقطاع السياحي السوري والفندقي ولا سيما الترفيهي إن صح التعبير؛ حيث كانت هناك نوادٍ ومطاعم صيفية مخصصة فقط للسياح الخليجيين ويلجأ السعوديون إلى الشقق المفروشة أكثر من الفنادق. وكانت أقل النسب هي لسياح العراق بتراجع قدره 19% وفق ضبابية في أعداد العراقيين لدى وزارة السياحة، سيما أن نسبة كبيرة من القادمين هم نازحون عراقيون وليسوا سياحاً. وانخفض معدل السياح الدينيين الإيرانيين بنسبة 38٪ رغم التواجد الإيراني الكثيف في دمشق.

البرامج الإسعافية

ولا يملك مسؤولو القطاع السياحي من اتحاد الغرف السياحية ووزارة السياحة الجرأة على القول إن القطاع السياحي قطاعٌ منكوبٌ، خصوصاً في دمشق، فقد انخفضت نسبة الإشغال إلى حدود 25% وفي بعض الأحيان إلى 10% من الفنادق المعتمدة على السياحة الداخلية مع توقع استمرار التراجع الشديد في الطلب السياحي خلال الأشهر القادمة للأسباب ذاتها. وهذا الوضع دفع اتحاد غرف السياحة لإطلاق برنامج إسعافي يتضمن تقديم كل ما يُمكِّن المواطن السوري من القيام بالسياحة في بلده وفقاً لبرامج متكاملة وبأسعار مخفضة تصل إلى 50%.

وفي خطوة غير قانونية لتعويض الخسائر لا تسجل بعض الفنادق بيانات النزلاء على القيود الضريبية، متذرعين بعدم وجود دعم حكومي للقطاع الخاسر مما يدفعهم إلى التحايل لكسب بعض المال، خصوصاً وأن الزبون لا يقوى على دفع التعرفة المقررة من وزراة السياحة التي تترواح بين 40 إلى 200 دولار للغرفة المزدوجة.

فنادق السيدة زينب

وتشهد فنادق السيدة زينب -المخصصة بالأساس للسياحة الدينية- وضعاً إنسانياً سيئاً على عكس فنادق المدينة؛ حيث طالب أصحاب الفنادق النازحين بدفع جزء من رسوم الكهرباء الشهرية، مما دفع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى الطلب من الحكومة بدفع فواتير الكهرباء عن الفنادق، تخفيفاً للأعباء المادية عن النازحين وأصحاب الفنادق في آن واحد، لكن اهتمام النظام حالياً ينصب على المجهود الحربي لقمع الثورة.

كل الإصلاحات مؤجلة

تبدو جميع الخطوات الإصلاحية مؤجلة إلى ما بعد الثورة السورية، فليس من بقعة هادئة في سوريا بما فيها مناطق الاصطياف كالزبداني وبلودان، وكل ما تفعله المؤسسات الفندقية التعويل على سياحة النازحين من جهة، ومن يأتي من بعثات دولية أو إعلامية من شأنها تأمين استمرارية العمل وتجنب الخسائر إلى حين.

مصائب الدمشقيين فوائد في لبنان

انعكس الوضع السوري قبل النزوح إلى بيروت كساداً سياحياً على لبنان، وهو ما اعتبره اللبنانيون أسوأ موسم سياحي منذ سنوات. ويعتمد قطاع السياحة اللبناني على السائح الخليجي الذي افتقده بسبب الأحداث الدامية في سوريا. وكان لاندلاع الاشتباكات في دمشق الدور الكبير في تنشيط فنادق لبنان وبقاء الفنادق السورية فارغة؛ حيث نزح إلى لبنان آلاف السوريين بين ليلة وضحاها، لتنتعش فنادق بحمدون وشققها السياحية وجونية وزيتونة وشارع الحمرا وهو ما أسماه أصحاب القطاع السياحي اللبناني بـ "السياحة القسرية للنازحين الشاميين" من ذوي الطبقة الغنية.

وكان نقيب أصحاب الفنادق في لبنان بيار الأشقر أعلن -في مؤتمر صحفي تناقلته وسائل الإعلام العربية- أن السوريين الوافدين حديثاً إلى لبنان زادوا نسبة تشغيل الفنادق في العاصمة بيروت من 40 إلى 65 و70%، فيما ارتفعت في منطقة جبل لبنان من 20 إلى 55%، بعد النزوح الأخير للسوريين في منطقة جبل لبنان، حيث كان الموسم الاصطيافي شبه معدوم هذا العام بسبب غياب الاستقرار، مشيراً إلى أن هذه النسبة كانت تصل خلال السنوات الماضية إلى 100%، مؤكداً أنَّ قراراً قد اتخذ بتخفيض الأسعار في الفنادق بين 25 و50%. وتعتبر بيروت مقراً مؤقتاً للنزوح لجهة أخرى عربية أو أجنبية مثل القاهرة أو دبي أو أوروبا.

تمتلئ الفنادق باشتداد القصف

تدرك فاطمة -موظفة الاستقبال- ألا وحشة بعد اليوم في الفندق طالما أن القصف مستمر، فهناك من يبحث عن ملاذ آمن، ولكنها تخاف من نفاد مدخرات الطبقة الميسورة التي بدأت معاناتها تظهر للعلن في ظل حالة الشلل التي أصابت القطاع الخاص ومنشآته ومعامله، وتسرب الثروات ورؤوس الأموال وأصحابها إلى خارج الوطن.